يُعد التمريض أحد الركائز الأساسية في المنظومة الصحية، فهو ليس مجرد مهنة تُمارس أو مسؤولية تُؤدّى، بل رسالة إنسانية سامية تقوم على الرحمة والعطاء والصبر والإخلاص. وفي دولة الكويت، يواصل الكادر التمريضي أداء دوره الحيوي في خدمة المجتمع، مجسّدًا قيم التفاني والمسؤولية، ومساهمًا في الارتقاء بجودة الرعاية الصحية وتعزيز مفهوم الإنسانية في التعامل مع المرضى.
إن مهنة التمريض تحمل في تفاصيلها دروسًا تتجاوز حدود العلم والممارسة المهنية؛ فهي مدرسة حقيقية للحياة، تمنح من ينتمي إليها فرصة استثنائية لفهم الإنسان في مختلف مراحل ضعفه وقوته، وتفتح أمامه آفاقًا أعمق للتأمل في قيمة الصحة والحياة والنعم التي قد نعتاد وجودها دون أن ندرك عظمتها.
ومن واقع تجربتي في مجال التمريض، أستطيع القول إن هذه المهنة لم تعلّمني كيفية تقديم الرعاية الصحية فحسب، بل أسهمت في تشكيل شخصيتي، وغيّرت الكثير من مفاهيمي ونظرتي إلى الحياة.
لقد علّمني التمريض أن أنظر إلى الأمور بوعي أكبر، وأن أتعامل مع المواقف بصبر وحكمة، وأن أدرك أن خلف كل مريض قصة إنسانية تستحق الاحترام والتقدير. كما علّمني أن الكلمة الطيبة قد تكون مصدر طمأنينة، وأن حسن التعامل قد يترك أثرًا لا يقل أهمية عن الرعاية العلاجية نفسها.
ولعل من أعظم ما منحته لي هذه المهنة أنها قرّبتني من الله سبحانه وتعالى، وزادت من شعوري بعظمة نعمه ورحمته. فمشاهدة معاناة المرضى، ولحظات الألم والأمل، والدعوات الصادقة التي تنبع من قلوبهم، جميعها مواقف تعمّق الإيمان، وتذكّر الإنسان بقيمة العافية، وبأن كل نعمة تستحق الحمد والشكر.
لقد أدركت من خلال التمريض أن الحياة لا تُقاس بما نملكه من إنجازات ومناصب فحسب، بل بما نتركه من أثر إنساني طيب، وبما نقدّمه للآخرين من رحمة واحترام وعطاء.
ومن هذا المنطلق، أوجّه رسالة صادقة إلى زملائي وزميلاتي في مهنة التمريض: تحلّوا بالرقي والأخلاق الطيبة، واجعلوا الاحترام والرحمة أساسًا لكل تعامل، فالمهنية الحقيقية لا تكتمل بالعلم والمهارة وحدهما، بل تسمو بحسن الخلق ونبل التعامل.
إن المريض لا يحتاج إلى الرعاية الطبية فقط، بل يحتاج كذلك إلى من يشعر بمعاناته، ويحترم ظروفه، ويحفظ كرامته، ويمنحه الشعور بالأمان والاطمئنان. وقد تكون ابتسامة صادقة أو كلمة مطمئنة أو موقف إنساني بسيط سببًا في تخفيف ألم لا تستطيع الكلمات وصفه.
ولا شك أن مهنة التمريض تواجه العديد من التحديات والضغوط، إلا أن تلك التحديات يجب ألا تُفقدنا جوهر رسالتنا الإنسانية. فمهما ازدادت المسؤوليات، تبقى الأخلاق الرفيعة والرحمة والاحترام من أهم القيم التي ينبغي أن تميّز الممارس التمريضي.
إن الارتقاء بالتمريض لا يتحقق بالتطوير العلمي والمهني وحده، وإنما يتطلب أيضًا ترسيخ ثقافة التعامل الإنساني الراقي، وتعزيز القيم الأخلاقية التي تعكس الصورة المشرّفة للعاملين في هذا القطاع الحيوي.
وفي الختام، أؤمن بأن التمريض لم يكن بالنسبة لي مجرد مسار مهني، بل تجربة إنسانية عميقة أسهمت في بناء شخصيتي، وعلّمتني كيف أواجه الحياة، وكيف أقدّر نعم الله، وكيف أكون أكثر قربًا منه سبحانه وتعالى.
فالتمريض أكبر من مهنة، وأسمى من وظيفة، وأعمق من مجرد أداء واجب؛ إنه رسالة تحمل في جوهرها الرحمة، وفي ممارستها الأمانة، وفي أثرها معنى الإنسانية.
وستبقى رسالتي لكل من ينتمي إلى هذه المهنة النبيلة:
ارتقوا بأخلاقكم قبل ألقابكم، و بإنسانيّتكم إلى جانب علمكم، واتركوا في حياة مرضاكم أثرًا طيبًا؛ فالأثر الإنساني الجميل هو الاثر الحقيقي الذي يبقى بعد انتهاء كل منا من أداء واجبه




